أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

278

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

أمّا حكم المعاهدات والاتّفاقات التي تبرمها الدولة الإسلاميّة أو تقرّها باختبارها فهو أنّها معاهدات نافذة يجب الوفاء بها ، ولا يجوز للدولة إلغاؤها قبل مدّتها المقرّرة وإن أصبحت تتنافى مع المصلحة الإسلاميّة شيئاً ما ، ولذلك وفى النبي بتعهّده لقريش بعدم الغزو بعد صلح الحديبيّة مع أنّ الإسلام أصبح بعد الصلح بقليل قادراً على احتلال مكّة ، بل استمرّ وفاؤه مع إخلال قريش بالمعاهدة عدّة مرّات حتّى تكرّر منها النكث واتّضح . وما ينبغي الالتفات إليه أنّ المصلحة الإسلاميّة التي تعني الوضع الأفضل للإسلام والمسلمين قد تختلف من بلد إلى بلد وظرف إلى ظرف ، فقد تكون مثلًا سريّة الدعوة الإسلاميّة في بعض البلاد الكافرة هي الوضع الأفضل للإسلام بوصفه دعوة تتبنّاها الدولة الإسلاميّة وتحملها إلى أرجاء الأرض ، فتقرّر الدولة سريّة الدعوة في ذلك البلد وفقاً للمصلحة الإسلاميّة ، وتدخلها في حساب علاقتها واتّفاقيّاتها معه . وقد يكون تأجيل تطبيق الإسلام وتسلّمه للسيادة في بلد إسلامي هو الوضع الأفضل للإسلام بوصفه مبدأً ، كما إذا منحت فرصة لتسلّم الإسلام السيادة ولكن في ظرف معقّد من الناحية السياسيّة العامّة ، ينذر بسرعة تقويض الكيان الإسلامي إذا أقيم في ذلك الظرف وانتكاس الحركة الإسلاميّة ؛ ففي مثل هذه الحالة يكون تأجيل تسلّم السيادة في ذلك البلد إلى الظرف المناسب هو الوجه الأفضل للإسلام بوصفه مبدأ . وقد يكون عدم توقيع معاهدة بين الدولة الإسلاميّة ودولة أخرى هو الوضع الأفضل للإسلام بوصفه قاعدة للدولة لما يخشى أن تؤدّي إليه المعاهدة في نفوذ الدولة الأخرى في جهاز الدولة الإسلاميّة ، الأمر الذي يشكّل خطراً على قاعدتها الإسلاميّة . وقد يكون عقد اتّفاق اقتصادي معيّن مع دولة معيّنة أو دول هو الأفضل للمسلمين من الناحية الاقتصاديّة ، فيصبح مصلحة إسلاميّة . وبشكل عام ؛ فإنّ الدولة تقوم بدراسة المصلحة الإسلاميّة وتراعيها في علاقتها الخارجيّة لأنّها المسؤولة عن رعاية الإسلام والمسلمين . الأساس رقم ( 11 ) موقف الدعوة والدولة من النفوذ الكافر نعتبر الدولة الغازية لوطن المسلمين بجميع صورها وطرق استعمارها ونفوذها دولة محاربة للإسلام ، ويجاهد أنصار الإسلام قبل إقامة الدولة الإسلاميّة إلى جنب الحكومات القائمة في بلاد المسلمين لتقويض دعائم الكافر المستعمر ونفوذه ، كما يجاهدون لعين الهدف في بلاد المسلمين وإن كانت تتبنّى أحكام الكفر أيضاً وتتعارض بذلك مع الهدف الأوّل للدعاة ، وهو إزاحة أحكام الكفر وتطبيق أحكام الإسلام . إلّا أنّها من الممكن أن تلتقي مع الدعاة في الهدف الثاني ، وهو إزاحة سيطرة الكافر . وفي ظروف الالتقاء هذه يجاهد الدعاة إلى جنبها مراعين في مدى تعاونهم مع تلك الحكومات في هذا السبيل طابعهم الإسلامي الخاص ومصلحتهم بوصفهم منضمّين لدعوة إسلاميّة مخلصة . أمّا عند قيام الدولة الإسلاميّة وبعده ، فإنّ المقياس العام في سياسة الدولة الخارجيّة يقضي بمقاطعة الدولة الكافرة الغازية لبلاد المسلمين ، ويراعى في هذه المقاطعات إمكانيّة الدولة الإسلاميّة وظروفها ، ويمكن أن يتمّ ذلك [ عن ] طريق خطّة تدريجيّة تضعها الدولة لتحقيق ذلك . كما أنّ مسؤوليّة الدولة في الجهاد لرفع النفوذ الكافر لا تقف عند الوطن الإسلامي الذي يسكنه المسلمون فعلًا ، بل يشمل الأرض التي فتحها المسلمون وكانت عامرة عند الفتح ثمّ انتزعها الكافر مرّة أخرى من يدهم ، فإنّها تعتبر أرضاً مغصوبة ووطناً إسلاميّاً سليباً ولو لم يبق على ظهرها مسلم واحد ، ومن حق الأمّة المالكة استرجاعها وإن لم يجر عليها فعلًا أحكام دار الإسلام المقرّرة في الفقه ، كما هو الحال في الأندلس وفلسطين وأجزاء